
قبل حوالي السنة كنت جديدة في عالم المدونات والمجموعات فلم تكن من إهتماماتي.. أو بالأحرى أن دائرة إهتماماتي إتسعت في تلك المرحلة – الغير سعيدة – من حياتي لتشمل آفاق كانت أملي لحياة أفضل..
في تلك الفترة كنت أكتشف عالماً آخر على شبكة تتسع لتشمل أشخاصاً من الممكن أن يكونوا مؤثرين في حياتي و مفيدين و قريبين جداً بالرغم من أني لا أعرفهم سوى إسماً ربما يكون مستعاراً وصورة رمزية.. أتذكر أني حللت مشكلة كادت أن تقلب حياتي رأساً على عقب ولربما ندمت عليها كل لحظة مهما حييت، مشكلة كنت عاجزة عن حلها لبضعة أشهر ولولا شخص لا أعرفه ظهر فجأة على شاشتي لما حللتها.. شخصاً لم أعرفه قبلاً و لم تشأ الظروف أن أقابله - على الإنترنت - بعدها أبداً.. علَّق علي بعد بضعة جمل و تحايا تبادلناها أن " أسلوبي في الحديث كئيب " فقلت " حياتي كلها كئيبة و مملة " سألني لمَ؟.. إحترت لدقائق و لم أجبه فقال " أنا لا أعرفك و أنتي لا تعرفيني و من المستبعد أن تلتقي فلم الخجل؟ " قررت أن أحكي وقلت له كل ما عندي و كنت صادقة فقلت مالي و ماعلي و بحت بمخاوفي و بحت بما أخجل أن أقوله لمن يعرفونني شخصياً.. حكيت و كنت شفافة و صادقة؛ فصدقي معه كان صدقاً و مواجهة مع نفسي. إستغرقت تقريباً 15 إلى 20 دقيقة و أنا أكتب حكايتي و ظروفي المحيطة التي تجعل مشكلتي غير محلولة إستمع لي بصمت لم يقاطعني ولا مرة و عندما إنتهيت سألني بضعة أسئلة و حل لي مشكلتي التي إستعصت علي لشهور في بضعة جمل بسيطة كانت أشبه بصوت الضمير عن صوت إنسان آخر.. فشكراً له وجزاه الله عني خير الجزاء.. ولربما شاءت الظروف أن أرد له جميله يوماً..
في تلك الفترة أيضاً لفت نظري حملة الدعاء المستمر لإنسانة بدت معروفة ومألوفة لكل الناس على الشبكة ماعداي.. ومالفتني اللهفة في الدعاء والحزن الظاهر و الدموع و الغصات التي إستشعرتها حتى من خلال الكلمات المطبوعة على شاشتي.. بدأت أتتبع الروابط لأكتشف إنسانة هي عالماً من الرقة و الحساسية و الأدب و الدين و الثقافة و العلم .. و .. و ..
ولربما أعجز عن وصف حقيقة تلك الإنسانة حتى و لو عددت جميع الصفات الجميلة التي خُلقت في هذه الدنيا..
تلك هي هديل الحضيف صاحبة مدونة " باب الجنة " التي تستشف رقتها و جمال أخلاقها من كلماتها رغم أنها مطبوعة و رغم المسافات.. تشعر بتلك الرقة تنساب إنسياباً حتى تكاد تغمرك..
هديل رحمها الله..
هديل التي كانت احدى ضحايا جشع المستشفيات وسوء تنظيمها..
هديل التي أحبها الجميع حتى من لا يعرفونها سوى إسماً على الشبكة..
هديل التي أحببتها رغم أني لم أعرف بوجودها على نفس الأرض التي أسكنها إلا بعد موتها..
هديل التي كانت سبباً في جشعي و نهمي لإكتشاف و معرفة المزيد من الأشخاص الرائعين الذين لربما أخسرهم قبل أن ألقاهم كما خسرتها..
هديل التي رثاها الجميع بأجمل الكلمات و التعابير..
هديل التي كتب أبوها ما يدمي القلب ومازال يدمع العين رغم مرور قرابة السنتين على وفاتها..
هديل التي إشتقت إليها فزرت مدونتها اليوم لأجدها ألغيت..
رحمك الله يا هديل..
ما أريد قوله أني في تلك الفترة من حياتي إكتشفت ما أحتجت أن أعرفه و أشعر به من سنين طويلة.. أكتشفت أنه مازال في هذه الدنيا معاني جميلة متمثلة في أشخاص رائعين لربما كانوا أقرب إلي من نفسي رغم بعد المسافة و لربما كانوا صوت ضميري الذي يجب أن أواجهه وحدي بصدق و دون خجل ودون أن أخشى البلبلة و القيل و القال..
و للحديث بقية...
وفي الختام هذا ما كتبه الدكتور / محمد الحضيف في إبنته قبيل موتها..
كتب والد هديل يوم في 21 ابريل 2008:
ماذا يصنع بك المؤشر ..؟! أمس .. انخفض مؤشر الضغط وضربات القلب ، المكلف بمراقبة قلب هديل، إلى فوق الـ( 60 ) بقليل ..! تعلمنا منهم ، أن نزول المؤشر دون الـ(70) .. نذير خطر ..!! صرت أتابع المؤشر، وأنظر إلى عيني هديل المغمضتين . كان يصعد ويهبط بدرجة أو درجتين ..! من كان يمشي على الحبل، الممدود بين قمتين وتحته قرار سحيق ..؟ بالتأكيد .. ليست هديل الغائبة في سماوات ربها .. وتعدني بالعودة ، كلما ارتفع المؤشر . قلبي هو الذي كان يتأرجح ..! قلب الأب الذي كانت هديل .. ومازالت مشروعه الأجمل . هذا حديث ..! الحديث الآخر : (هم) يراهنون على موتها .. وأنا أراهن على حياتها ..! هم يتكئون على أجهزتهم .. ويتأملون غيبوبتها العميقة ، بقراءة أرقامهم ، وانطباعاتهم ..! لذلك .. لا يريدون نقلها لمستشفى حكومي ..! وأنا أراهن عليه وحده ..! أراهن على من خلق هديل، وقال : “أدعوني أستجب لكم ” . ما كان عبثا أن يقول سبحانه ذلك، ويرد أكف الآلاف، الذين هرعوا في صلوات الأسحار يدعون لها ..! ولا أولئك الذين امتدت أيديهم الكريمة بالصدقة عنها .. وهم لا يعرفونها، إلا من خلال حب الناس لها .. وهي تستحق أن تحب ..! منذ الاثنين .. ونحن نستجدي نقلها لمستشفى حكومي ..! لكن المحن، تعري المواقف . بعض (أصدقائنا) الأطباء ، حسبوها بطريقة مختلفة : هديل بنت محمد الحضيف ، ليست خادمة في أحد القصور ، ليتم تخصيص سرير لها في مستشفى حكومي ..! ولا يدخل والدها في حساب الربح والخسارة .. والمصالح، لتتم ( خدمته ) من أجل مصلحة مستقبلية محتملة ..! محمد الحضيف مجرد إسم (معروف) فقط .. لكنه بدون (رصيد) من أي نوع . لذلك كانت الإجابة دائما : ما عندنا سرير ، وما نقدر نقدم لهديل أكثر مما تحصل عليه الآن ..! أصحاب الرواتب العالية من الأطباء ( التنفيذيين) .. لايعنيهم أن يدفع محمد الحضيف، فاتورة كبيرة في مستشفى خاص . لأن محمد الحضيف ، ليس مصلحة محتملة . لذلك .. ظل الرد التقليدي، المغلف بلغة مهنية : وضعها صعب .. ونحن بحاجة السرير ..! لا بأس .. لا يوجد سرير في بلدي،الذي يبيع برميل النفط بـ ( 118 ) دولار ..! لابأس ياهديلي .. ستنهضين ، بإذن واحد أحد .. دون أن تحتاجي للتنفيذيين، الذين يركضون لخدمة خدم القصور . ستنهضين .. بإرادة الذي يحيي العظام وهي رميم ، دون أن تكوني من ( المحظيات ) ..!ستنهضين من غيبوبتك الجميلة .. لتقولي : أبي .. أمي .. إخواني ، أحبابي كلكم ، كنت نائمة ! كنت امتحن صورة من صور القبح في بلدي ..! أبي .. حبيبي ، دمعك هذا .. تعال أسكبه على رأسي .. نخب فرح .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق